الفهرس
حين تهمس الرياح بين نخيل الصحراء، لا تروي فقط قصة ظل، بل تحكي حكاية حرفة نمت من الأرض وارتفعت إلى القلوب، صناعة السعفيات التي جدلت فيها الأيادي الإماراتية أوراق النخيل بخيوط من صبرٍ وحكمة، لتخلق بساطة السعف تحفاً تنبض بالحياة، فما هي هذه الصناعة؟، وما مدى تجذرها في التقاليد الإماراتية؟ تابعوا معنا.
نبذة عن صناعة السعف بالإمارات
جسدت صناعة السعف أحد أبرز وجوه الحرف التقليدية في الإمارات، حيث حولت الأيادي الماهرة سعف النخيل إلى أدوات يومية تخدم الحياة وتزينها، كانت النساء والرجال يجدلون السعف في جلسات تراثية يصنعون منه القفة والسرود، بالإضافة إلى المهفة والحصير والمخارف، مستخدمين أدوات بسيطة وألواناً طبيعية تضفي جمالاً خاصاً على كل قطعة.
أدوات صناعة السعف التقليدية
رغم بساطتها شكّلت أدوات صناعة السعف التقليدية في الإمارات مفاتيح الإبداع في يد الحرفي الإماراتي، حيث اعتمد على أدوات قليلة لكنها فعالة، وساعدته في تحول السعف المجفف إلى قطع فنية عملية، ومن أبرز هذه الأدوات:
- المنجل، ويستخدم لقطع سعف النخيل من الجذع بدقة.
- المنقاش، عبارة عن أداة دقيقة تُستخدم لتسوية السعف ونزع الأجزاء الحادة.
- المخرز، يستخدم لثقب السعف عند الحاجة.
- العويصة، تستخدم لجدل وربط السعف بالخيط.
- الخيوط الطبيعية، تصنع غالباً من ليف النخيل أو مواد نباتية أخرى للربط أو التثبيت.
كيفية صناعة السعفيات

تبدأ طريقة صناعة السعفيات من شجرة النخيل حين يختار الحرفي السعف الأخضر أو اليابس بعناية، ثم يشرع في رحلة من الجد والمهارة تبدأ بتجفيف السعف تحت الشمس لأيام، ليصبح مرناً وسهل التشكيل. بعد ذلك، يُقصّ السعف شرائح متساوية تُعرف باسم الخوص، ويتم تنظيفها وتسويتها باستخدام أدوات بسيطة كـ”المنقاش” و”السيم”.
وفي المرحلة التالية تبدأ عملية الجدل أو النسج والتي تعتبر الخطوة الفنية تحوّل الخوص إلى منتج نهائي مثل القفة والسرود، إلى جانب المهفة أو الحصير، حيث تُرتب الشرائح وتُشدّ وفق نمط دقيق وتُضاف أحيانًا ألوان نباتية لإضفاء جمالية على القطعة، ثم يُستخدم الخيط أو الليف لربط الأجزاء، بينما واصل الحرفي عمله المتواصل بكل حرفية.
منتجات سعف النخيل

تميزت صناعة السلال من سعف النخيل وأخذت الشهرة الأكبر بين منتجاتها، إلا أن العديد من الأنواع الأخرى دخلت في الحياة اليومية لدى الأجداد، فكانت هذه الحرف اليدوية حاضرة في البيوت والأسواق والمجالس، ومن أبرزها:
- القفة: وهو وعاء مجدول يُستخدم لحمل التمر أو المؤن.
- السرود: عبارة عن صحن دائري كبير يُستخدم لتقديم الطعام.
- الحصير: شبيه بالسجاد يتم فرشها على الأرض للجلوس أو النوم.
- المهفة: مروحة يدوية تستخدم للتبريد في المجالس.
وتُعد هذه المنتجات شاهدًا على عبقرية الإنسان الإماراتي في استثمار الموارد الطبيعية، بالإضافة إلى تحويلها إلى أدوات ذات قيمة وظيفية وجمالية، ولا تزال حاضرة حتى اليوم في المتاحف والمهرجانات وترمز إلى عراقة الهوية وعمق الارتباط بالنخلة.
التصنيع الحديث للسعفيات

اعتمد التصنيع الحديث على التطور التقني لإنتاج منتجات مشابهة من السعف ولكن بسرعة وكميات أكبر، إذ يُستخدم اليوم صناعة الخشب المضغوط من سعف النخيل، وهي تقنية مبتكرة تعتمد على فرم السعف وخلطه بمواد رابطة ثم ضغطه بقوالب حرارية لإنتاج ألواح قوية تُستخدم في صناعة الأثاث والأبواب، إلى جانب بعض الديكورات.
السعفيات في المهرجانات والفعاليات التراثية
تحتل السعفيات مكانة بارزة في قلوب الشعب الإماراتي، وهذا ما يفسر ظهورها دوماً في الفعاليات والمهرجانات التراثية، لا سيما في واحة الذيد، حيث تُعرض هذه الحرف التقليدية بفخر أمام الزوار كرمزٍ حي لأصالة المجتمع وارتباطه العميق بالنخلة، إذ يجلس الحرفيون في هذه المناسبات داخل أركان مخصصة، وينسجون السعف أمام الحضور ويشاركونهم تفاصيل هذه الحرفة، ومن أبرز الأمثلة على هذه المهرجانات هي:
- مهرجان الشيخ زايد التراثي
- مهرجان قصر الحصن
- مهرجان الذيد للرطب
لقد تناولنا في مدونة ترحال الأصايل موضوع صناعة السعف في دولة الإمارات بشمولية، حيث استعرضنا تاريخ هذه الحرفة وأدواتها ومنتجاتها، بالإضافة إلى أبرز الفعاليات التي تحييها وتحفظ حضورها في الذاكرة الشعبية، كما نود التنويه في النهاية على أهمية الحفاظ والمضي بنشر هذه التقاليد والتراث الذي يُنبت التاريخ في جميع الأرجاء، إلى جانب كونه أحد العناصر التراثية المهمة مثل صناعة السدو.


